أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

86

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أن يكون المفعول الثاني محذوفا ، تقديره : أو يلبسكم الفتنة ، و « شِيَعاً » على هذا حال ، أي : يلبسكم الفتنة في حال تفرقكم وشتاتكم . والثاني : أن يكون « شِيَعاً » هو المفعول الثاني ، كأنه جعل الناس يلبسون بعضهم مجازا ، كقوله : 1952 - لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا « 1 » والشيعة من يتقوّى بهم الإنسان ، والجمع : « شيع » ، كما تقدم ، و « أشياع » ، كذا قاله الراغب . والظاهر أن « أشياعا » جمع « شيع » ك « عنب » ، وأعناب ، وضلع وأضلاع » ، و « شيع » جمع « شيعة » فهو جمع الجمع . قوله : وَيُذِيقَ نسق على « يَبْعَثَ » . والإذاقة استعارة ، وهي فاشية : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ « 2 » ، ذُقْ إِنَّكَ « 3 » ، فَذُوقُوا الْعَذابَ « 4 » ، وقال الشاعر : 1953 - أذقناهم كئوس الموت صرفا * وذاقوا من أسنّتنا كئوسا « 5 » وقرأ الأعمش : « ونذيق » بنون العظمة ، وهو التفات ، فائدته تعظيم الأمر ، والتحديد من سطوته . قوله : وَكَذَّبَ بِهِ . الهاء في « بِهِ » تعود على « العذاب » المتقدم في قوله : « عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ » ، قاله الزمخشري . وقيل : يعود على القرآن . وقيل : يعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة ، وقيل : يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا بعيد ، لأنه خوطب بالكاف عقيبه ، فلو كان كذلك لقال : وكذّب بك قومك . وادعاء الالتفات فيه أبعد . وقيل : لا بدّ من حذف صفة هنا ، أي : وكذب به قومك المعاندون ، أو الكافرون ، لأن قومه كلّهم لم يكذّبوه ، كقوله إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ « 6 » ، أي : الناجين ، وحذف الصفة ، وبقاء الموصوف قليل جدا بخلاف العكس . وقرأ ابن أبي عبلة : « وكذّبت » بتاء التأنيث ، كقوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ « 7 » ، كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ « 8 » ، باعتبار الجماعة . قوله : « وَهُوَ الْحَقُّ » في هذه الجملة وجهان : الظاهر منهما : أنها استئناف . والثاني : أنها حال من الهاء في « بِهِ » ، أي : كذّبوا به حال كونه حقّا ، وهو أعظم في القبح . قوله : « عَلَيْكُمْ » متعلق بما بعده ، وهو « بِوَكِيلٍ » ، وقدم لأجل الفواصل . ويجوز أن يكون حالا من قوله : « بِوَكِيلٍ » ، لأنه لو تأخر لجاز أن يكون صفة له ، وهذ عند من يجيز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف ، وهو اختيار جماعة ، وأنشدوا عليه : 1954 - غافلا تعرض المنيّة للمر * ء ، فيدعى ولات حين إباء « 9 »

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة القمر ، آية ( 48 ) . ( 3 ) من آية ( 49 ) سورة الدخان . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 30 ) . ( 5 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 151 ) . ( 6 ) سورة هود ، آية ( 46 ) . ( 7 ) سورة الشعراء ، آية ( 105 ) . ( 8 ) سورة الشعراء ، آية ( 160 ) . ( 9 ) انظر البيت في الأشموني ( 2 / 177 ) ، المقاصد النحوية ( 3 / 161 ) .